أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

151

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

56 - النّور جند القلب ، كما أنّ الظّلمة جند النّفس ، فإذا أراد اللّه أن ينصر عبده أمدّه بجنود الأنوار ، وقطع عنه مدد الظّلم والأغيار . قلت : الظلمة : نكتة تقع من الهوى في النفس عن عوارض الوهم ، فتوجب العمى عن الحق لتمكن الباطل من الحقيقة ، فيأتي العبد ويذر على غير بصيرة ، قاله الشيخ زروق . قلت : قد تقدم أن النفس والعقل والقلب والروح والسر أسماء لمسمى واحد ، وهو اللطيفة الربانية النورانية المودعة في هذا القالب الجسماني الظلماني ، وإنما اختلفت أسماؤها باختلاف أحوالها ، وتنقل أطوارها ، ومثال ذلك كماء المطر النازل في أصل الشجر ، ثم يصعد في فروعها فيظهر ورقا ، ثم نورا وأزهارا ، ثم يعقد ثمرة ، [ ثم « 1 » ] ينمو حتى يكمل ، فالماء واحد ، واختلفت أسماؤه باختلاف أطواره . هكذا قال الساحلي في بغيته . وقد نظمت في ذلك قصيدة ذكرت في غير هذا الكتاب ، فعلى هذا يكون تقابل القلب مع النفس بالمحاربة كناية عن صعوبة انتقال الروح من وطن الظلمة التي هي محل النفس إلى وطن النور ، الذي هو القلب وما بعده ، فالقلب يحاربها لينقلها إلى أصلها وهي تتقاعد وتسقط إلى أرض البشرية وشهواتها ، فالقلب له أنوار الواردات تقربه وتنصره حتى يترقى إلى الحضرة التي هي أصله ، وفيها كان وطنه وكأنها جنود له من حيث إنه يتقوى بها وينتصر على ظلمة النفس . وهذه الأنوار هي الواردات المتقدمة ، والنفس لما ركنت إلى الشهوات واستحلتها صارت كأنها جنود لها ، وهي ظلمة من حيث إنها حجبتها عن الحق ومنعتها من شهود شموس العرفان ، فإذا هاجت النفس بجنود ظلماتها وشهواتها إلى معصية أو شهوة رحل إليها القلب بجنود أنواره ، فيلتحم بينهما القتال ، فإذا أراد اللّه عناية عبده ونصره ، أمد قلبه بجنود الأنوار ، وقطع عنه من جهة النفس مدد الأغيار ،

--> ( 1 ) ما بين [ ] سقط من المطبوع .